ابن ميثم البحراني
277
شرح نهج البلاغة
وقوله : وكلّ نفس معها سائق وشهيد . اقتباس للآية « وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ » فالسائق الَّذي يسوقها إلى المحشر هو حكم القضاء الإلهي وأسباب الموت القريبة الحاكمة على النفس برجوعها إلى معادها فإن كانت من أهل الشقاوة فيا لها من سوقة متعبة وجزية مزعجة « وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ » الآيات ، وإن كانت من أهل السعادة ساقها سايق رؤوف سوقا لطيفا « وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وفُتِحَتْ أَبْوابُها وقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ » وأمّا الشاهد عليها [ بعملها ] فقد سبقت الإشارة إليه . وباللَّه التوفيق . ومنها في صفة الجنة : دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ ومَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ - لَا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا ولَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا - ولَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا ولَا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا . أقول : اعلم أنّ ألذّ ثمار الجنّة هي المعارف الإلهيّة بالنظر إلى وجه اللَّه ذي الجلال والإكرام . والسعداء في الوصول إلى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ودرجات متفاضلة . فالأولى : مرتبة من أوتي الكمال في حدس القوّة النظريّة حتّى استغنى عن معلَّم بشرىّ رأسا وأوتي مع ذلك ثبات قوّته المتفكَّرة واستقامة وهمه منقادا تحت قلم العقل فلا يلتفت إلى العالم المحسوس بما فيه حتّى يشاهد العالم المعقول بما فيه من الأحوال ويستثبتها في اليقظة فيصير العالم وما يجرى فيه متمثّلا في نفسه فيكون لقوّته النفسانيّة أن يؤثّر في عالم الطبيعة حتّى ينتهى إلى درجة النفوس السماويّة ، وتلك هي النفوس القدسيّة أولات المعارج وهم « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ » ، وهم أفضل النوع البشرىّ وأحقّه بأعلى درجات السعادة في الجنّة .